مجرّد لفت نظر





تتحدّث الأرقام عن 27 ألفاً، وتتحدّث وسائل الإعلام عن قضيّة إنسانيّة عنوانها "لاجئون سوريّون"، وتتحدّث الجهات الرسميّة المختصّة عن الأعباء المادّية والإداريّة التي بدأت تترتّب نتيجة هذا العبء المفتوح... ومن دون ضوابط.

وهناك صندوقة اقتراع جديدة، قد فتحت من خلال "المتاجرة" بقضيّة اللاجئين، وتشهد المجالس والمنتديات، مزايدات من كلّ الأنواع والأصناف، ومتاجرات مقنّعة بشعارات الدين، والطائفة، والمذهب، والانتماء السياسي، وبإسم الشرف، والمروءة، وحسن الجوار...

وفي الجديد المتداول أنّ مؤتمر أصدقاء سوريا تطرّق الى هذا الموضوع، وهناك التزامات من قِبل الدول النفطيّة، بتغطية النفقات، والتواصل مع الدول المضيفة، والتي تعاني من صعوبات اقتصاديّة، لتقديم الدعم، إلّا أنّ لبنان بقي – حتى إشعار آخر - خارج دائرة الاهتمام كونه نأى بنفسه، ولم يشارك في المؤتمر، فضلاً عن وجود تحفّظات إزاء السياسة التي يعتمدها الرئيس ميقاتي وحكومته حيال الملفّ السوري منذ أن بدأت المناقشات على مستوى اللجنة العربيّة الخاصة، أو على مستوى وزراء الخارجيّة العرب في القاهرة، أو حتى في مجلس الأمن عندما كان لبنان عضواً غير دائم العضوية فيه.

ويحظى الموضوع باهتمام لدى أوساط البعثات المعتمدة، وهناك تنسيق ما بين الأوروبّيين والأميركيّين في هذا المجال، ومن منطلق أنّه لا يكفي الطلب من لبنان الرسمي والأهلي باستقبال النازحين وإيوائهم، بل المطلوب البحث عن سبل المؤازرة في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي تعاني منها دول عدّة في العالم، وفي ظلّ طبيعة لبنان، وجغرافيته، وتوازناته السياسيّة - الاجتماعيّة الدقيقة، وهناك توجّه لتفعيل دور ممثلي المنظمّات الإنسانيّة - الخدماتية في بيروت، والتابعة للأمم المتحدة، وحثّها على إعادة النظر ببرامجها وخططها، لتوفير أكبر قدر من الدواء والغذاء والكساء، والحاجيات الحياتيّة الضرورية للنازحين.

ولا تقتصر الأبحاث على الناحية الإنسانيّة، بل هناك ضبابيّة في مقاربة الوضع السوري محلّياً، وحتى دوليّا في ظلّ رهانات مستندة الى شيء من المعلومات، والكثير من التحليلات. محلّياً: يتمّ التعاطي مع موضوع النازحين بصورة اعتباطيّة حتى الآن، وعلى قاعدة: بعض التعليمات للعسكر وحرس الحدود، والاتّصال ببلديات ومخاتير القرى الحدوديّة ووجهائها للقيام بتوفير الأماكن الملائمة للإيواء، والإيعاز للهيئة العليا للأغاثة، والمنظّمات الإنسانيّة الأخرى القيام بالواجب، ريثما تنجلي الأمور، والتأكّد ما إذا كانت مهمّة كوفي أنان ستنجح، وتوفّر الظروف المؤاتية لعودة النازحين الى منازلهم، أم ستتعثّر، وتفتح الأبواب أمام كلّ المفاجآت، عندها يصبح التحدّي مضاعفاً وخطيراً في ظلّ غياب الدراسات والخطط الجاهزة لاستيعاب التداعيات.

دوليّاً: الموضوع مسيّس من ألِفه حتى يائه، تحت شعار الدوافع الإنسانيّة والأخلاقيّة. وتدرّج التسييس من المطالبة باستقبال المعارضة السوريّة وحمايتها، إلى المطالبة بفتح الحدود أمام النازحين، واستقبالهم، وإكرام وفادتهم، وكان الهدف تطويق " النأي بالنفس" الذي وُلد شعاراً، وتحوّل إلى مبدأ، ومن ثمّ الى نهج في السياسة والممارسة عند مقاربة الملفّ السوري على المستوى العربي والدولي، وآخر المطاف كانت المرافعة القيّمة لرئيس الجمهوريّة أمام قمّة بغداد عن أهمّية " النأي بالنفس" لحماية لبنان الصيغة، والنظام، والتنوّع، والتعدّدية من التداعيات السلبيّة. وحاولت الولايات المتّحدة الدخول على المسؤولين من نافذة المعارضة السوريّة أوّلاً، ثمّ من نافذة النازحين ليكون لبنان في واجهة دول أصدقاء سوريا، لا بل مرفأ مفتوحاً، ومطاراً شغّالاً، وجسراً سالكاً وآمناً لنقل كافّة أنواع الدعم والمؤازرة للانتفاضة. والطلب عينه سمعه أكثر من مسؤول لبنانيّ من الاتّحاد الأوروبّي، ومن عواصم فاعلة، ومؤثّرة في صياغة قراراته وخياراته، إلّا أنّ المواقف الصادرة عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في هذا الاتّجاه، جاءت متطابقة ومواقف كلّ من رئيسي الجموريّة، والمجلس النيابي، وأيضاً مواقف البطريرك بشارة الراعي، وشكّلت مظلّة واقية لحماية الساحة من أيّ اختراق، وأيضاً لحماية المصلحة الوطنيّة العليا من أيّ استهداف حتى الآن.

وهناك في لبنان من يصلّي اليوم بحرارة كي ينجح أنان في مهمّته، ليعود الوضع في سوريا إلى طبيعته، ويعود النازحون بأسرع الأيّام. وخارج فسحة الأمل هذه، لا بدّ من مصارحة، ومن مواجهة للحقيقة، لأنّ الاستعراضات التي نشهدها في بعض وسائل الإعلام، والمزايدات المرافقة بإسم "الإعتبارات الإنسانيّة" تثير الكثير من الشجون والمخاوف، وتفجّر الكثير من براكين الحساسيات الخامدة. إنّ أقلّ ما يقال في هذا "الكرنفال الاستعراضي المموّل سلفا"، أنّ هذا الملفّ، يُستغلّ على أكثر من صعيد، والبعض راح يتعاطى معه منذ الآن، من زاوية انتخابيّة ضيّقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المشاركات